محمد بن جعفر الكتاني

245

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

بكر وأبو يحيى سيدي محمد بن عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن أحمد ؛ المعروف بابن العربي المعافري ( بفتح الميم ، وتخفيف العين المهملة ، وكسر الفاء ) نسبة إلى معافر بن يعفور ؛ أي : حي باليمن ، الإشبيلي ( بكسر الهمزة ، وسكون الشين ) نسبة إلى إشبيلية ؛ وهي : مدينة عظيمة بجزيرة الأندلس . وبها ولد - رحمه اللّه - ليلة الخميس لثمان بقين من شعبان سنة ثمان وستين ، وقيل : سنة تسع وستين وأربعمائة . وحفظ [ 198 ] القرآن وهو ابن تسع سنين ، وزاد عليها ثلاثا لضبط القرآن والعربية والحساب ، وبلغ ست عشرة سنة وقد قرأ من الأحرف نحوا من عشرة بما يتبعها من إظهار وإدغام ونحوه . وتمرن في الغريب والشعر واللغة . وسمع بالأندلس : أباه ، وخاله أبا القاسم الهوزني ، وأبا عبد اللّه السرقسطي . وببجاية : أبا عبد اللّه الكلاعي . وبالمهدية : أبا الحسن بن الحذاء الخولاني . ورحل مع أبيه إلى المشرق عند انقراض الدولة العبادية وسنه نحو سبعة عشر عاما ، يوم الأحد مستهل ربيع الأول سنة خمس وثمانين وأربعمائة ، ودخل الشام ، ولقي بها أبا بكر محمد بن الوليد الطرطوشي ؛ إذ كان سكن الشام مدة ودرس بها كما في ترجمته من " أزهار الرياض " ، وتفقه عنده . ورحل إلى الحجاز في موسم سنة تسع وثمانين ، وحج ، وسمع بمكة أبا عبد اللّه الحسين الطبري ، وابن طلحة ، وأبا المعالي ثابت بن بندار الحمامي . وقرأ الأدب على أبي زكرياء التبريزي . ودخل بغداد مرتين ، وصحب بها أبا بكر الشاسي ، وأبا حامد الغزالي . . . وغيرهما من العلماء والأدباء ، وأخذ عنهم ، واجتمع - أيضا - بأبي حامد لما حج ، في المطاف ، وفرح به غاية . ولقي بدمشق غير واحد ؛ كأبي الفتح نصر المقدسي ، وبمصر : أبا الحسن الخلعي وغيره . وبالإسكندرية : جماعة ؛ كالأنماطي . وأقام بها عند أبي بكر الطرطوشي ، فمات أبوه بها أول سنة ثلاث وتسعين ، فانصرف آنذاك إلى الأندلس ، وقدم بلده إشبيلية بعلم كثير لم يأت به أحد قبله ممن كانت له رحلة إلى المشرق . ونقل عنه أنه قال : « كل من رحل لم يأت بمثل ما أتيت به من العلم ؛ إلا الباجي » ، أو كلاما هذا معناه . ولما استقر ببلده ؛ شور فيه ، ورحل إليه للسماع منه ، ودرس الفقه والأصول ، وجلس للوعظ والتفسير . وكان - رضي اللّه عنه - آية في الحفظ والإتقان ، والجلالة وعلو الشان ، مستبحرا في العلوم كلها ، جامعا لها بأسرها ، متقدما في المعارف ، متكلما في أنواعها بما يبهر العارف ، نافذا في جميعها ، حريصا على أدائها ونشرها ، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها ، طبق الآفاق بفوائده ، وملأ الشام والعراق بأوابده .